نصر حامد أبو زيد

6

الاتجاه العقلي في التفسير

415 ه ، وهي مؤلفات كثيرة ومتنوعة . وأهم هذه المؤلفات موسوعته الضخمة « المغني في أبواب التوحيد والعدل » التي تقع في عشرين جزءا ما تزال ستة أجزاء منها مفقودة ، وهي الأجزاء : الأول ، والثاني ، والثالث ، والعاشر ، والثامن عشر ، والتاسع عشر ، ولم يكن حجم هذه المؤلفات يمثّل صعوبة للباحث ، وإنما . تركّزت الصعوبة الحقيقية في معاناة فهم هذه المادة المتشعبة بلغتها المعقدة التي كثيرا ما ألجأت الباحث إلى محاولة إعادة تركيب الجمل تقديما وتأخيرا ، بل وإعرابها كلمة كلمة في أحيان كثيرة ، حتى يطمئن إلى فهمه للفكرة التي يراد التعبير عنها . فإذا أضفنا إلى ذلك أن عملية تحقيق هذا الكتاب الضخم لا تكاد تتجاوز نسخ المخطوط الوحيد الذي تعتمد عليه في أغلب الأحيان ، إلى شرح للمصطلحات أو بيان لأفكار المؤلف . إذا أضفنا ذلك كله أدركنا العبء المزدوج الذي كان على الباحث أن يقوم به . عبء الفهم وتقويم النص معا . ونظرا لهذه الصعوبات ، أحسّ الباحث أنه من الضروري أن يقف بالحدود الزمنية لبحثه عند القرن الرابع الهجري - عصر القاضي عبد الجبار - دون أن يتجاوزه ، هذا القرن الذي يمثّل النضج النهائي للفكر الاعتزالي في عصر نهضته الثانية في بلاط الدولة البويهية . وكانت الإشارة للمؤلفات المتأخرة في بعض الأحيان تهدف إلى بيان الفكرة وتوضيحها دون التركيز على تحليلها في هذه المؤلفات . ومن الطبيعي أن تفرض طبيعة المادة على الباحث طريقة التناول ومنهج العرض . وإذا كانت الأبحاث اللغوية والدلالية في مؤلفات المعتزلة قد جاءت متناثرة ومتفرقة ، فقد كان على الباحث أن يحاول وضعها في نسق يحقق مبدأ الوحدة الفكرية التي حرص المعتزلة أنفسهم على تحقيقها ، وإن حققوها بوسائلهم الخاصة التي خضعت في الغالب لمنهج التأليف القديم ، ذلك المنهج الذي يعتمد على الاستطراد والاسهاب والتفريع . هذا علاوة على ما تميّز به المعتزلة خاصة من الجدل عن طريق الرد على اعتراضات الخصوم أو توهم اعتراضات يوردها المؤلف على نفسه . وإذا كان المجاز وسيلة خاصة من وسائل الأداء اللغوي ، فإن أي فهم لطبيعة المجاز ولوظيفته لا يمكن أن ينفصل عن تصور ما لطبيعة اللغة ودلالتها . وهذا التصور لطبيعة اللغة إنما يتمّ في ضوء تصور أعم لطبيعة النشاط العقلي في سعيه نحو المعرفة . ولقد كان لإعلاء المعتزلة من شأن العقل ، هذا الإعلاء الذي ميّزهم عن غيرهم من المتكلمين ، أثره في تنبههم للترابط بين مبحث المجاز وبين مجالات اللغة والمعرفة بشكل عام . ونتيجة لذلك كان من الطبيعي أن ينقسم البحث إلى